أيضًا تحولات دراماتيكية في ديناميات المصالح الاقتصادية، حيث تتصاعد الحروب التجارية والسياسات الحمائية في سبيل الصراع على الهيمنة وسعيًا للاستئثار بالمصالح الذاتية، في مواجهة مبدأ المنفعة المشتركة التي تقوم على أساسها التبادلات التجارية والتكتلات الاقتصادية.

وتزامنًا مع ذلك، تتصاعد الصراعات، وأصبحت الحروب والانتهاكات الفاضحة للمعايير الإنسانية والأخلاقية أمرًا شائعًا واعتياديًا، في الوقت الذي نشهد فيه صعودًا للحركات اليمينية والقادة المتطرفين في معتقداتهم ونزعاتهم التي تدفعهم إلى انتهاج سياسات متقلبة وخطرة تزعزع استقرار النظام العالمي. وفي خضمّ هذه الفوضى، هناك تمرد حقيقي على عالم أحادي القطب، يزداد وضوحًا وواقعية يومًا بعد يوم مع بروز قوى وتحالفات جديدة تطالب بدور لها على الساحة الدولية؛ ما يغذّي التوترات الجيوسياسية ويهدد التعاون والسلام الهش وغير العادل الذي شكّل أساسًا للمنظومة الدولية طوال عقود.

أمام كل هذه الإرهاصات، يقف العالم اليوم أمام حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، وعلى حافة واقع جديد، وربما غير متوقع، حيث قد تصبح الضائقة الاقتصادية والخلافات السياسية السمة الغالبة لمستقبلنا القريب.

لم تكن الانتكاسة التي تعرّضت لها الأسواق المالية العالمية في بدايات آب/ أغسطس 2024 مجرد حالة عابرة مدفوعة بالذعر غير المبرر، بل هي تعبير ضمني عن هشاشتها وغياب الاعتبارات والركائز الأساسية المفسرة للفورة الاستثنائية التي شهدتها في الأعوام الأخيرة. فشروع البنك المركزي الياباني في إقرار زيادة محدودة على سعر الفائدة التأشيري، وإن كانت هذه الزيادة هي الثانية منذ عام 2007، وظهور بيانات مغايرة للتوقعات عن الوظائف المستحدثة في الاقتصاد الأميركي، كفيلان بقلب رؤوس كبرى الأسواق المالية على أعقابها. ولربما هذان الحدثان دليلان دامغان على أن القفزات التي شهدتها هذه الأسواق على مدار السنوات القليلة الماضية جاءت مدفوعة أساسًا بالتفاؤل المفرط بالمستقبل المشفوع بالأداء الاقتصادي المتميز الذي أفضت إليه التدابير الاستثنائية للتعامل مع تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وهي حتمًا غير مستدامة، ومدفوعة أيضًا بعمليات المضاربة التي يلجأ إليها الضليعون والمتنفذون في هذه الأسواق لاستدراج صغار المستثمرين ممن تحكمهم النزعة الربحية، وهم كُثر، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، ارتفعت نسبة السكان البالغين المستثمرين في الأسواق المالية الأميركية من 55 في المئة إلى 61 في المئة[1].

بموازاة ذلك، وفي ظل الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الفائدة في غالبية دول العالم، ارتفعت مديونية الأسر الأميركية في نهاية الربع الثاني من عام 2024 إلى نحو 17.8 ترليون دولار، وهو مستوى قياسي غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، منها 12.9 تريليون دولار قروض عقارية[2]، وإضافة إلى ذلك شكّلت خدمة هذه الديون نحو 9.8 في المئة من صافي دخل هذه الأسر المتاح[3].

يتمثل الخطر المحدق والمرتبط بكل هذه المعطيات في أن أيّ حالة هلع مفرطة من المستثمرين، لا سيما الأفراد منهم، قد تسبب انتكاسة ممتدة في الأسواق المالية وأسعار الأصول الأخرى، لا سيما العقارية، وستغيّر المشهد تمامًا على نحو يُدخل غالبية الأسر الأميركية في أزمة مالية خانقة، وستجعل استحقاقات هذا القدر الهائل من القروض تستحوذ على قدر كبير من مداخيلهم، وقد تُدخل الجهاز المصرفي في أزمة عميقة في حال امتزج هذا السيناريو بتراجع مستويات المداخيل وانحسار مستويات التوظيف.

ليست احتمالية تحقق مثل هذه الانتكاسة مستبعدةً في ضوء التباطؤ الكبير الذي شهده الاقتصاد الأميركي خلال الأشهر الأولى من عام 2024، والمدفوع على نحو أساسي بترا

المدونات
ما هو الاتجاه الجديد

المدونات ذات الصلة

الاشتراك في النشرة الإخبارية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات

النشرة الإخبارية BG