في دراسة امتدت لثمانية أشهر أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا على موظفين في شركة تكنولوجية أمريكية، تبيّن أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أدى إلى تكثيف وتيرة العمل بدلاً من تبسيطها. كما خلصت دراسة أخرى شملت نحو 1500 موظف بدوام كامل في شركات كبرى عبر قطاعات متعددة، إلى أن الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي قد يسبب «إجهاد الدماغ» (Brain Fry) بحسب تعبيرهم.

يشير مصطلح إجهاد الدماغ إلى حالة من الإرهاق المعرفي الناتج عن الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو الإشراف المستمر عليها بما يتجاوز قدرة الشخص الذهنية. وقد تظهر أعراضه في شكل تشويش ذهني، وضعف في التركيز، وبطء في اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى الصداع والشعور بضغط ذهني مستمر. ويرى الباحثون أن هذه الحالة قد تؤدي إلى زيادة الأخطاء في العمل، وتفاقم الإرهاق المرتبط باتخاذ القرارات، بل وارتفاع رغبة الموظفين في ترك وظائفهم.
الإشراف على الذكاء الاصطناعي هو العامل الأكثر إرهاقاً

أظهرت النتائج أن أكثر ما يرهق الموظفين ليس استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل الحاجة إلى مراقبتها والتحقق من دقة مخرجاتها. فالأشخاص الذين اضطروا إلى متابعة عمل هذه الأدوات عن كثب بذلوا جهداً ذهنياً أعلى بنحو 14% مقارنةً بغيرهم، كما شعروا بزيادة في تدفق المعلومات بنسبة 19%.

عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة حجم المهام بدلاً من تقليصها، يتضاعف الضغط الذهني. فالجمع بين الإشراف المستمر على الأدوات، وزيادة المسؤوليات يجعل الموظف مطالباً بمتابعة نتائج أكثر، وأدوات أكثر، خلال الوقت نفسه، وهو ما يرفع الحمل المعرفي ويؤدي إلى شعور أكبر بالإرهاق.

من الناحية الاخرى، أشارت الدراسة إلى أن استخدام أكثر من أداة ذكاء اصطناعي يمكن أن يعزز الإنتاجية في البداية. فالانتقال من أداة واحدة إلى أداتين يعزز أداء الموظف بنحو ملحوظ، كما أن إضافة أداة ثالثة يحقق مكاسب إضافية، لكن بوتيرة أبطأ. غير أن تجاوز هذا الحد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تبدأ الإنتاجية بالانخفاض بسبب تعدد المهام وتشتيت الانتباه.

تفاوتت نسب الشعور بالإجهاد الناتج عن الإفراط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين القطاعات الوظيفية. فقد كانت النسبة منخفضة نسبياً في المجال القانوني، بينما ارتفعت بشكل ملحوظ لدى العاملين في التسويق. كما ظهرت معدلات مرتفعة أيضاً في وظائف الموارد البشرية، والوظائف الهندسية، والمالية، وتقنية المعلومات.
تأثير خفي في الإبداع واتخاذ القرار

مع أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تقليص الزمن اللازم لأداء العديد من مراحل العمل، مثل تطوير المنتجات، وتحليل البيانات وبناء النماذج الأولية. وقد يُتيح تنفيذ عدد أكبر من التجارب واختبار أفكار أكثر في وقت أقصر. لكنه يُغيّر الإيقاع الطبيعي للعمل، ويقلل أوقات التوقف عن العمل التي كانت تمنح الموظفين فرصة لاستعادة تركيزهم وطاقتهم.

من ناحية أخرى، تتسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على تلخيص كميات كبيرة من المعلومات وتقديم إجابات جاهزة، في تقليل تعرّض الموظفين لوجهات نظر متعددة، وهي عملية أساسية لتعزيز التفكير الإبداعي والاستراتيجي. ومع تراجع هذا التنوع في الآراء، قد تنخفض جودة الأفكار والقرارات، خصوصاً في بيئات العمل التي تتطلب اتخاذ قرارات سريعة.

ومع تزايد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي، يصبح من الضروري تحقيق توازن بين الاستفادة من قدراته والحفاظ على صحة الموظفين الذهنية. ويتطلب ذلك تقليل الاعتماد المفرط على الأدوات، وتحديد عددها، وتوفير أوقات راحة، بالإضافة إلى تدريب الموظفين على استخدام هذه التقنيات بطرق أكثر كفاءة وأقل استنزافاً للطاقة الذهنية

المدونات
ما هو الاتجاه الجديد

المدونات ذات الصلة

الاشتراك في النشرة الإخبارية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات

النشرة الإخبارية BG