إملاءات صارمة مست جوانب حساسة من الاقتصاد الوطني، من تقليص النفقات وتسريح العمال إلى غلق مؤسسات عمومية، تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلت مبدأ الاقتراض الخارجي يقابل برفض شبه مطلق لسنوات طويلة.
تصريح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، قبل أسبوع، حول إمكانية اللجوء إلى قرض من البنك الإفريقي للتنمية لاستكمال مشاريع جديدة للسكك الحديدية، أعاد الجدل إلى الواجهة، بين من قرأه كتحول استراتيجي محسوب، ومن عبر عن تخوفه من “العودة إلى مربع الاستدانة”
وخلال مرحلة ارتفاع أسعار النفط، انتقلت الجزائر من موقع الدولة المقترضة إلى موقع الدولة التي تمول مشاريعها بمواردها الذاتية، بل وتسدد ديونها مسبقًا، رافعة شعار السيادة المالية وعدم الارتهان للمؤسسات الدولية، غير أن التحولات الاقتصادية الأخيرة، وتقلبات أسعار النفط، وتزايد الحاجة إلى إنجاز مشاريع هيكلية كبرى في البنية التحتية، أعادت بهدوء طرح سؤال التمويل الخارجي، ولكن هذه المرة من بوابة مؤسسات إقليمية كالبنك الإفريقي للتنمية، الذي تعد الجزائر أحد المساهمين في رأسماله.
تصريح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، قبل أسبوع، حول إمكانية اللجوء إلى قرض من البنك الإفريقي للتنمية لاستكمال مشاريع جديدة للسكك الحديدية، أعاد الجدل إلى الواجهة، بين من قرأه كتحول استراتيجي محسوب، ومن عبر عن تخوفه من “العودة إلى مربع الاستدانة”، ورغم أن الخطوة لم تتجسد بعد، خاصة وأن مشاريع كبرى مثل غار جبيلات وبعض خطوط السكك أُنجزت دون اقتراض، يبقى السؤال مطروحًا: هل نحن أمام تغيير فعلي في العقيدة المالية للجزائر، أم مجرد خيار تكتيكي تفرضه متطلبات المرحلة؟
الاستدانة في حالات خاصة
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي سليمان ناصر أن لجوء الجزائر، في حال قررت الاستدانة الخارجية، يجب أن يكون موجهًا نحو مؤسسات مالية بعينها، وفي مقدمتها البنك الإفريقي للتنمية، بدل صندوق النقد الدولي، بالنظر إلى طبيعة الشروط والفوارق الجوهرية بين الهيئتين.
وأوضح ناصر، في تصريح لـ”الترا جزائر”، أن البنك الإفريقي للتنمية، على غرار البنك الإسلامي للتنمية بجدة، يمنح تمويلات بشروط ميسّرة مقارنة بصندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن الاختلاف لا يتعلق فقط بنسبة الفائدة، بل يمتد إلى طبيعة الشروط المصاحبة للقرض وآليات السداد والتعامل مع حالات التعثر.
اقرأ أيضًا: الجزائر تحصل على قرض بـ747 مليون يورو من البنك الإفريقي لتطوير خط قطار الصحراء
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تعد من المساهمين في رأسمال البنك الإفريقي للتنمية، وهو ما يمنحها بحسبه أفضليةً في الحصول على تمويلات بشروط مريحة، سواء من حيث مدة السداد الأطول أو معدلات الفائدة المنخفضة جدًا.
وأضاف أن التعامل مع هذا البنك في حال حدوث تعثر في السداد لا يترتب عنه تشديد كبير أو غرامات مرتفعة، خلافا لما قد يحدث مع مؤسسات مالية دولية